fbpx
الفضائيون

حقن جين واحد في العين كفيل بإعادة البصر إلى الفئران العمياء!

إنَّ حقنَ جينٍ واحد في العين كفيلٌ بإعادة البصر إلى الفئران العمياء! فقد جعلت الأوبسينات Opsins “مستقبلات الضوء في العين” الخلايا العمياء حساسةً للضوء، بآلية شكَّلت علاجًا محتملًا  للإنسان في أثناء 3 سنوات.

يملك الناس الذين أُصيبوا بالعمى نتيجة التنكس الشبكي (retinal degeneration) خيارًا واحدًا فحسب؛ وهو زرع عين إلكترونية، لكنَّ علماء الأعصاب أوجدوا بديلًا استطاع في التجربة إعادةَ البصر إلى الفئران العمياء، وهو معتمد على العلاج الجيني (gene therapy)؛ فقد أُوصِل جينٌ خاصٌّ بأوبسين الضوء الأخضر إلى العين عبر فيروس، ممَّا منح الفئرانَ قدرة بصريّة كافية لتمييز الأنماط على شاشةٍ بدقة مقروءة للإنسان، ونظرًا إلى وجود علاجات مُعتمِدة على الفَيرُوس المُرْتَبِط بالفيروس الغُدِّيّ (AAV) موافق عليها سابقًا للعين، فهذا العلاج الجديد سيكون جاهزًا للتجارب السريرية في غضون ثلاث سنوات.

يمكن حقن فيروس مُرْتَبِط بالفيروس الغُدِّيّ، مُصمَّم لاستهداف خلايا

معينة في الشبكية مباشرةً في الجسم الزجاجي في العين؛ لإيصال جينات بدقة اكبر من الحقن بالفيروس المُرْتَبِط بالفيروس الغُدِّيّ غير المعدَّل، والذي يجب حقنه تحت الشبكية مباشرة.

وقد حمَّل علماء الأعصاب في جامعة كاليفورنيا في بيركلي الفيروسات المُرْتَبِطة بالفيروس الغُدِّيّ الموجهة نحو الخلايا العقدية بجين لأوبسين الضوء الأخضر، ممَّا جعل الخلايا العقدية العمياء حساسة للضوء.

وهنا كانت المفاجأة! الأمر سهل للغاية؛ إذ أدخل العلماء من جامعة كاليفورنيا في بيركلي جينًا لمستقبلات الضوء الأخضر في أعين الفئران العمياء، وبعد شهر، استطاعوا تخطِّي اختبار العوائق بسهولة، كالفئران التي لا تعاني من مشاكل في الرؤية، واستطاعوا رؤية الحركة أيضًا، وتغيُّر السطوع  بمقدار ألف ضعف، والتفاصيل الدقيقة على شاشة الآيباد بما يكفي لتمييز الحروف.

ويزعم العلماء أنَّه من الممكن في غضون ثلاث سنوات تجربةُ العلاج الجيني -بواسطة فيروس خامل – في المرضى الذين فقدوا البصر نتيجة للتنكس الشبكي، ممَّا يعطيهم قدرةً على الإبصار كافيةً للتجول، وربما القدرة َعلى القراءة ومشاهدة الفيديو.

يقول إيهود إيزاكوف (Ehud Isacoff)، وهو بروفيسور في البيولوجيا الجزيئية والخلوية في جامعة كاليفورنيا في بركلي ومدير معهد هيلين ويلز لعلوم الأعصاب: ” سنحقن هذا الفيروس في عين أحد الأشخاص، وبعد عدة شهور، سيبدأ برؤية شيء ما، فبوجود مرض تنكسي عصبي في الشبكية، أقصى ما يفعله الناس عادةً هو محاول إيقاف انتشار الحالة أو إبطاءه، ولكنَّ وجود شيء يستطيع إعادة الصورة في بضعة أشهر هو شيء من الرائع حتى التفكير فيه.”

فما يُقارب 170 مليون شخصٍ في العالم يعيشون مع تنكس بقعي (macular degeneration) مُرتبط بالسن، والذي يصيب واحدًا من 10 أشخاص ممَّن تتجاوز أعمارهم 55 عامًا، في حين أنَّ 1.7 مليون شخص مصابون بالعمى الموروث الشائع كثيرًا -التهاب الشبكية الصباغي (retinitis pigmentosa)- والذي يُسبب العمى في سنِّ الأربعين.

وأضاف جون فلانري (John Flannery)، وهو بروفيسور في البيولوجيا الجزيئية والخلوية في كلية العيون في جامعة كاليفورنيا في بركلي :” لديَّ أصدقاء غير قادرين على إبصار الضوء، ونمط حياتهم مؤلم للغاية؛ إذ عليهم التفكير في أشياء يَعدُّها الآخرون من المسلَّمات؛ على سبيل المثال: كلما زاروا فندقًا، يكون ترتيب الغرفة مختلفًا بعض الشيء، ويحتاجون إلى أن يأخذهم أحدٌ في جولة في الغرفة ليبنوا خريطةً ثلاثية الأبعاد لها في دماغهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأشياء التي نستخدمها يوميًّا كمنضدة القهوة المنخفضة؛ فقد تشكِّل خطرًا عليهم.

إنَّ أعباء هذا المرض وخصوصًا في الحالات الشديدة ثقيلةٌ للغاية، وقد يكون هؤلاء الناس المرشحين الأوائل لهذا النوع من العلاج.”

الخيارات المتوفرة في الوقت الحالي لهؤلاء الناس مقتصرة على زرع عين إلكترونية موصولة بكاميرا فيديو موضوعة على نظارات؛ وهو  نظام مرتفع السعر ومحرج، وينتج صورة على الشبكية تساوي في دقتها ما يقارب بضع مئات من البكسل، ففي العادة تعادل الرؤية الحادة الملايين من البكسل.

إن الخلل الجيني المسؤول عن التنكس الشبكي لا يُصحَّح مباشرة، ويعود ذلك إلى وجود ما يزيد عن 250 طفرة جينية مسؤولة عن التهاب الشبكية الصباغي فقط.

وما يقارب 90% منهم يقتل الخلايا المستقبلة للضوء -الخلايا العصوية (rods) الحساسة للضوء الخافت، والخلايا المخروطية- (cones) التي تدرك الألوان في ضوء النهار، ولكنَّ التنكس الشبكي لا يؤثر في الطبقات الأخرى من خلايا الشبكية عادةً، كالخلايا الثنائية (bipolar cells) والخلايا العقدية (ganglion cells)، والتي تبقى سليمة لعقود -على الرغم من عدم حساسيتها للضوء- بعد الإصابة بالعمى التام.

وقد نجح فريق الباحثين في التجارب التي أجريت على الفئران بنسبة 90% في جعل الخلايا العقدية حساسة للضوء.

” كان من الممكن فعل ذلك منذ 20 عامًا”.

ولعلاج العمى لدى الفئران، صمَّم العلماء فيروسًا موجهًا نحو الخلايا العقدية في الشبكية، وحملوه بالجين الخاص بالبورفيروبسين (الأوبسين المستقبل للضوء الأخضر في الخلايا المخروطية)، وهذا النوع من الأوبسين لا يُعبّر عن جيناته إلا في الخلايا المخروطية عادةً، ممَّا يجعلها حساسة للضوء الأخضر والأصفر؛ ولكن، عندما يُحقن في العين، يُحمل الفيروس الجين إلى الخلايا العقدية، ويجعلها حساسة للضوء وقادرة على إرسال إشارات إلى الدماغ، والتي تُترجم بدورها إلى رؤية.

يقول فلانري: “ضمن حدود الاختبارات التي أجريناها على الفئران، لا يمكن التمييز بين الفئران المُعالجة والفئران السليمة من دون معدات خاصة، وما يتبقى هو معرفة كيف تترجم الرؤية لدى المرضى.”

فقد استطاع العلماء باستخدام الفئران إيصالَ الأوبسين إلى معظم الخلايا العقدية في الشبكية لمعالجة الإنسان، وسيتوجب حقنُ أعداد أكبر بكثير من الفيروسات؛ نظرًا لأنَّ عين الإنسان تحتوي آلاف الأضعاف من الخلايا العقدية، ولكنَّ فريق جامعة كاليفورنيا طوَّر الوسائل الموجودة  لتحسين توصيل الفيروسات، ويأمل أعضاؤه بالوصول إلى نسبة عالية من الخلايا العقدية، ما يعادل عددًا كبيرًا من البكسل في الكاميرا.

وقد توصَّل ايزاكوف وفلانري إلى هذا الحل البسيط نسبيًا بعد عقد من محاولات أكثر تعقيدًا؛ مثل إدخال تركيبات من مستقبلات النواقل العصبية (neurotransmitter receptors) المُهندسة وراثيًا والمبدلات الكيميائية (chemical switches) لحساسية الضوء إلى خلايا الشبكية -العصوية والمخروطية- التي لاتزال سليمة، وقد أحدثت هذه التركيبات بعض التأثير، ولكنَّها لم تصل إلى مستوى الرؤية الطبيعية، وقد اختُبر في أماكن أخرى أوبسينٌ مأخوذ من ميكروبات، لكنَّه أقلُّ حساسية أيضًا ويحتاج إلى استخدام نظارات لتضخيم الضوء.

وللوصول إلى مستوى حساسية الرؤية الطبيعية، اتجه إيزاكوف وفلانري إلى أوبسين استقبال الضوء القادم من الخلايا المستقبلة للضوء باستخدام الفيروس المرتبط بالفيروس الغدِّي، والذي يصيب الخلايا العقدية عادةً، وقد نجح فلانري وإيزاكوف بتوصيل جين الأوبسين إلى جينوم الخلايا العقدية، واستعادت الفئران العمياء سابقًا  بصرها طول حياتها.

يقول إيزاكوف: “إن عمل النظام مُرضٍ للغاية، ويعود هذا جزيئًا لكونه بسيطًا؛ إذ كان يمكن فعله قبل 20 عامًا.”

ويجمع إيزاكوف وفلانري الأموالَ لنقل تجارب العلاج الجيني إلى الإنسان في ثلاث سنوات، وقد وافقت إدارة الغذاء والدواء سابقًا على طرق توصيل دواء مشابهة -عن طريق الفيروس المرتبط بالفيروس الغدي- لأمراض العين لدى الناس الذين يعانون من أمراض تنكس الشبكية، وليس لهم بديلٌ دوائي آخر.

لا يمكن لهذا النظام أن يعمل

وفقًا لإيزاكوف وفلانري، سيشكك معظم الناس في مجال العيون بقدرة الأوبسين على العمل خارج مكانه في الخلايا العصوية والمخروطية المتخصصة والمستقبلة للضوء.

وسطح المستقبلات يكون عادةً مليء بالأوبسين – الرودوبسين في الخلايا العصوية، والبورفيروبسين، واليودوبسين والسيانوبسين في الخلايا المخروطية – والذي يشكل جزءًا من ميكانيكية جزيئية معقدة.

إن النظام الجزيئي – وهو سلسلة إشارات من المستقبل المرتبط ببروتين ج (the G-protein coupled receptor signaling cascade)- يضخم الإشارة بفعالية، ممَّا يمكننا من رصد الفوتونات المفردة من الضوء، ومن ثم يعيد نظام إنزيمي الأوبسينَ إلى وضعه الأولي بعد أن يرصد الفوتون ويصبح “أعمى”، ويكيِّف نظامُ التغذية الراجعة خلفيةَ الصورة  لسطوع مختلف، وتولِّد قناة أيونية متخصصة جهدَ إشارة قوي، ومن دون زرع هذا النظام كاملًا يكون الشك بقدرة عمل الأوبسين منطقيًّا.

ولكن إيزاكوف؛ المتخصص بالمستقبلات المرتبطة ببروتين ج في الجهاز العصبي، يعرف أنَّ عديدًا من هذه الأجزاء تتواجد في جميع الخلايا، وقد اشتبه أنَّ الأوبسين سيتصل تلقائيًّا بنظام تأشير الخلايا العقدية في الشبكية، وقد جرب مع فلانري في البداية الرودوبسين الأكثر حساسية للضوء من أوبسين الخلايا المخروطية.

وعندما دخل الرودوبسين إلى الخلايا العقدية في الفئران التي تعرضت خلاياها العصوية والمخروطية للانتكاس الكامل -أي كانت عمياء- استعادت الحيوانات القدرةَ على تمييز النور والظلام حتى ضوء الغرفة الخافت، لكنَّ الرودوبسين كان بطيئًا جدًا، وفشل في التعرُّف إلى الصورة والأشياء.

ثم جربوا البورفيروبسين، والذي استجاب أسرع ب 10 مرات من الرودوبسين، واستطاعت الفئران التمييز بين خطوط أفقية متوازية، والتمييز بين خطوط متقاربة وأخرى متباعدة (اختبار معياري لحدة البصر)، وخطوط متحركة وأخرى ثابتة استطاعة ملحوظة.

والرؤية المُرممة كانت حساسة جدًّا؛ استخدِم الآيباد للعرض بدلًا من الصمامات الثنائية الباعثة للضوء (LED) الأكثر سطوعًا.

يقول إيزاكوف: ” أظنُّ أنَّ هذا قد أرسل رسالة واضحة؛ ففي نهاية المطاف، كم سيكون جميلًا أن يستعيد الناس المكفوفون القدرةَ على القراءة من شاشة الحاسوب الاعتيادية، والتواصل عن طريق الفيديو، ومشاهدة الأفلام.”

وقد دفعت هذه النجاحات إيزاكوف وفلانري لينجزا الخطوة الآتية، ومعرفة ما إذا كانت الحيوانات تستطيع التنقل اعتمادًا على الرؤية المُرممة، وكان من الصاعق أن البورفيروبسين نجح! إذ ستعادت الفئران العمياء قدرتها على  فعل أحد أهمِّ السلوكيات الطبيعية: التعرف واستكشاف الأجسام ثلاثية الأبعاد.

ومن ثم طرحوا السؤال: “ماذا سيحدث إذا خرج الإنسان ذو الرؤية المُرممة إلى ضوء أكثر سطوعًا؟ هل سيفقدهم الضوء بصرهم؟”، وهذه ميزة مهمة أخرى للنظام الجديد، ويقول إيزاكوف: ” يتكيَّف مسلك  البورفيروبسين لإصدار الإشارة مع السطوع؛ فالحيوانات العمياء سابقًا تكيفت مع تغير السطوع وأدت هذه المهمة كالحيوانات المبصرة، وهذا التكيَّف حصل على مدى 1000 ضعف -وهو الفرق بين معدل الإضاءة داخلًا وخارجًا.

يقول فلانري: “عندما يقول الجميع إنَّ هذا جنون ولن ينجح، اعلم أنك تفعل شيئًا كبيرًا”.

وفي الواقع، يُعد هذا العمل أول محاولة ناجحة لإعادة أنماط الرؤية باستخدام شاشات الكمبيوتر اللوحية، والأول في التكيف مع التغيرات في الإضاءة المحيطة، والأول في إعادة الرؤية الطبيعية للأشياء.

ويختبر فريق جامعة كاليفورنيا في بيركلي الآن تغييرات في النظام قد تُعيد الرؤية الملونة وتزيد حدَّة البصر والتكيف.

وهذا العمل مدعوم من معهد العيون الوطني (National Eye Institute) من معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، مركز تطوير طب النانو للسيطرة على الوظيفة البصرية البيولوجية (Nanomedicine Development Center for the Optical Control of Biological Function)، منظمة مكافحة العمى (Foundation for Fighting Blindness)، منظمة أمل في الإبصار (Hope for Vision Foundation)، معهد لوي للبحث العلمي (Lowy Medical Research Institute).

المصدر

المُساهمون:
  • ترجمة: رند فتوح
  • مراجعة: مرح مسعود
  • تدقيق لغوي: غنوة عميش

إضافة تعليق

الفضائيون

الفضائيون عبارة عن مجتمع مكون من أفراد يتعلمون معًا ويُشاركون هذه المعرفة مع العالم. نحن نقدم مرجعًا علميًا ينمو باستمرار يشمل مواد تعليمية ومقالات علمية عالية الدقة والجودة، بفضل الجهد الكبير الذي يبذله متطوعونا في الإعداد والمراجعة والتدقيق لتقديم محتوى جادّ ومؤثر، يُمكنك ولوجه مجانًا بشكل كامل.